الآليات القضائية المتاحة لمعاقبة قادة الاحتلال الصهيوني عن جرائمهم في قطاع غزة - Human Rights Defender
آخر الأخبار :

الآليات القضائية المتاحة لمعاقبة قادة الاحتلال الصهيوني عن جرائمهم في قطاع غزة

الآليات القضائية المتاحة لمعاقبة قادة الاحتلال الصهيوني عن جرائمهم في قطاع غزة

العدوان الصهيوني الذي بدأ على قطاع غزة في 27 /12/2008 ضمن عملية جوية وبحرية وبرية واسعة النطاق.

لم يتوقف كليةً، بدلالة فحوى الإعلان الصهيوني عن وقف إطلاق النار من جانب أحادي في 17 / 1/ 2009 ، والأكثر دقة إن هذا العدوان العسكري السافر جاء مكملا لفصول العدوان الصهيوني ، التي شكل الحصار المحكم على كافة جوانب الحياة ومقوماتها في قطاع غزة منذ عام ونصف ، المشهد الفاضح لما ألحقه الحصار ولا يزال ، من نتائج مأساويه لا تقل بدورها عن تداعيات العدوان وجرائره من مآسي وويلات، أحالت القطاع بسكانه ومرافقه ومؤسساته وممتلكاته وبنيته التحتية إلى ما يصح فيه الوصف "كإحدى مناطق العالم المنكوبة"

وفي حين شهد العالم على مرأى ومسمع شعوبه قاطبةًً صورا غير مألوفة لفظائع وانتهاكات خطيرة ، كشفت عنها المجازر الجماعية التي ارتكبتها قوات الاحتلال الصهيوني بحق السكان المدنيين، كما حدث في مدرسة الفاخورة التي لم تسلم رغم أنها احد مقرات الأمم المتحدة التعليمية من الحيلولة دون وقوع تلك المجزرة الرهيبة ، وغيرها من المجازر الموصوفة في جباليا وحي الزيتون والشجاعية ورفح وخان يونس ، والتي دفعت المئات من المؤسسات والمنظمات الحقوقية والإنسانية, وآلاف الباحثين والناشطين في مجال حقوق الإنسان ، إلى التحرك الدولي ، لفضح وتعرية تلك الانتهاكات الجسيمة التي بلغت بشدتها وقسوتها ما يرقى بها إلى درجة الجرائم الدولية، وفق احدث تقنين لها في مواثيق واتفاقيات القانون الدولي الإنساني ، ومع سقوط أكثر من 1000 شهيد وأكثر من 4000 مصاب بحروق وجروح مختلفة ، عدا عن تدمير المقرات الحكومية ومؤسسات الخدمة المدنية ودور العبادة والمدارس والممتلكات الخاصة ، ووقوع مليون ونصف مليون فلسطيني تحت وطأة الترهيب الجماعي وتهديد حياتهم بالقصف العشوائي ،وذلك باستخدام الأسلحة المحرمة دوليا ، وفي ضوء تلك الجرائم المشهودة لقوات الاحتلال الصهيوني مع تنامي الاتجاه الإنساني والحقوقي لتوثيق تلك الانتهاكات والمخالفات الجسيمة – وهي عملية لم تكتنفها المصاعب بسبب كثرة الأدلة الدامغة على وقوعها – باعتبارها مهمة أولية وشاطرة لإثارة جوانب المساءلة القانونية بحق حكومة الاحتلال عن الجرائم والانتهاكات التي وقعت في قطاع غزة ومدى مخالفتها لواجباتها الملقاة على عاتقها بموجب مبادئ وأحكام القانون الدولي الإنساني ، هذا من جهة ، وكذلك إثارة المسؤولية الجنائية الفردية التي تتعلق بملاحقة ومعاقبة المتهمين والمتورطين من قادة الاحتلال الصهيوني بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق السكان المدنيين في قطاع غزة ، من جهة ثانية ، و هو ما أثار قدراً كبيراً من التساؤلات حول الآليات القضائية الكفيلة بملاحقة و معاقبة مرتكبي تلك الجرائم و عليه لابد بادئ ذي بدء من تبيان وعرض لأهم الانتهاكات الجسيمة التي خالف بها المحتل بحصاره وعدوانه الأخير على قطاع غزة مبادئ وأحكام القانون الدولي الإنساني .

أولا ًَ: الانتهاكات الناجمة عن حصار غزة وفقاً لأحكام القانون الدولي الإنساني
يمكن رصد الانتهاكات الجسيمة الناجمة عن الحصار في الجوانب التالية :

1.إلقاء الحصار الشامل من قبل حكومة الاحتلال الصهيوني على مليون
ونصف فلسطيني يعيشون في مدن ومخيمات وقرى قطاع غزة ورغم انسحاب الاحتلال عن القطاع في العام 2005 فإن تحكمه بالمعابر والمنافذ الحدودية البرية وسيطرته الجوية والبحرية على قطاع غزة ، يجعل من الاحتلال مسؤولا بموجب اتفاقية جنيف وبروتوكولها الإضافي الأول عن حماية الأشخاص الواقعين تحت الاحتلال ، وعليه فإن قيام الاحتلال بالإدارة والإشراف على المعابر ، يخالف قاعدة أمره في القانون الدولي وهي " أن الإشراف على المعابر يعتبر جزء ً أصيلا ً من السيادة ، والاحتلال كما هو معروف لا ينقل السيادة على الأراضي المحتلة .

2.انتهاك الاحتلال بفرضه الحصار المحكم على قطاع غزة للمادة (33)
من اتفاقية جنيف التي تنص (( لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصيا ، تحظر العقوبات الجماعية ، وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب )).

وليس أدل على نوعية وشدة انتهاك الاحتلال الصهيوني لهذه المادة ، ما نجم عن الحصار من معاناة شديدة تعددت أوجهها ، حيف أحال الحصار أكثر من 80% من سكان القطاع إلى مادون خط الفقر ، وأدى إلى تدني مستوى الخدمات الطبية والتعليمية ما بين 50الى 60% والتسبب بوفاة 120مريض بسبب منع انتقالهم للعلاج في الخارج وتحويل القطاع إلى سجن كبير خلافا ً لمواثيق حقوق الإنسان التي تؤكد على حرية التنقل والسفر والعودة إلى الوطن (( مادة 13))من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.


3.انتهاك الاحتلال لنص ومضمون المادة(27) من اتفاقية جنيف التي
تحظر جرائم العقوبات الجماعية وأعمال الاقتصاص، حيث أعلن قادة الاحتلال الصهيوني أكثر من مرة ٍ أن الحصار على قطاع غزة يستهدف تغيير النظام السياسي القائم بالقوة .


من المفيد التذكير هنا بأن ادعاء حكومة الاحتلال بعدم مسؤوليتها القانونية عن تلك الانتهاكات التي تمحضت عن الحصار، وهو ادعاء يسهل دحضه في ضوء تأكيد مؤتمر الأطراف السامية المتعاقدة لاتفاقية جنيف عام /1999/ أن " إسرائيل هي قوة احتلال في الأراضي الفلسطينية " .

4.انتهاك الحكومة المصرية عندما أغلقت معبر رفح لأحكام اتفاقيات جنيف المادة (146) المشتركة وبروتوكولها الإضافي الأول ، الذي يفرض على كافة الدول المتعاقدة التزاما ً دوليا ً بوضع حد للمخالفات الجسيمة التي يخرق بها طرف ما أحكام الاتفاقية وبنودها .


ويتجلى انتهاك الحكومة المصرية في أولا : إن مصر بامتناعها عن فك الحصار عن الفلسطينيين ، فإنها بذلك تكون قد ساعدت طرفا دوليا هو " إسرائيل " على تهديد حياة مدنيين أبرياء بما يتناقض مع بنود الاتفاقية التي تلزمها بالتصدي لكل طرف يقوم بانتهاك أحكامها.

• تقاعس الحكومة المصرية عن نجدة طرف دولي وقع عليه الانتهاك.

• التنصل من مسؤولياتها إزاء إقليم حبيس لا يمتلك منفذا غير الأراضي المصرية .

ثانيا :ً انتهاكات قوات الاحتلال الصهيوني أثناء عدوانها على غزة لأحكام القانون الدولي الإنساني .

بما أن أحكام اتفاقية لاهاي لعام 1907بشأن قوانين وأعراف الحرب البرية واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 وبروتوكولاتها ، هي الاتفاقيات المطبقة على الأراضي المحتلة ، فإن العدوان العسكري غير المشروع الذي قام به الاحتلال الصهيوني على قطاع غزة قد وسع دائرة الانتهاكات السافرة بما نجم عنه من نتائج كارثية يمكن إبرازها بما يلي :

1- انتهاك صريح للفقرة ( ز ) من المادة (23) من لائحة لاهاي المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب لعام 1907 استنادا ً لطبيعتها العرفية الملزمة ، وذلك من خلال قصف الاحتلال وتدميره للممتلكات الخاصة والعامة.

2- انتهاك صريح لنص المادة (25) من لائحة لاهاي لعام 1907 التي حظرت مهاجمة أو قصف المدن أو القرى أوالمساكن والمباني غير المحمية أياً كانت الوسيلة المستعملة .

3- انتهاك صريح لنص المادة (18) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 التي حظرت الهجوم على المستشفيات المدنية .

4- انتهاك صريح لنص ومضمون المادة (53) من اتفاقية جنيف الرابعة جراء عمليات الهدم والتخريب غير المبررة للملكيات الفلسطينية العامة والخاصة ، والتي شرعت قوات الاحتلال الصهيوني بتدميرها وتخريبها على نطاق واسع منذ بدء العدوان .

5- انتهاك صريح للمادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة جراء إجبار السكان على النزوح والانتقال القسري من مناطق سكنهم المستهدفة إلى مناطق أخرى .

6- انتهاك صريح للمواد (50-51-52) من بروتوكول جنيف الأول لعام 1977، والتي تنص على حصانة السكان المدنيين ، وعدم تأثر صفتهم المدنية بوجود أفراد بينهم لا يسري عليهم تعريف المدني ، كما أكد على حظر استهداف المدنيين وحظر شن الهجمات العشوائية ، أو تنفيذ عمليات متوقع أن تؤدي إلى خسائر في الأرواح المدنية أو تؤدي إلى تدمير الممتلكات المدنية .

7- انتهاك صريح للمادة (54) من البروتوكول التي حظرت بشكل كلي تجويع المدنيين ووضعهم في ظروف معيشية صعبة .

8- انتهاك صريح للمادة (55) من البروتوكول التي حظرت استخدام أساليب أو وسائل القتال التي يقصد بها أو يتوقع منها أن تسبب مثل هذه الأضرار بالبيئة الطبيعية ومن ثم تضر بصحة أو بقاء السكان " هناك العديد من الأدلة على استخدام الاحتلال للفوسفور الأبيض واليورانيوم المخضب والقنابل العنقودية ضد المدنيين الفلسطينيين ".
9- انتهاك صريح للمادة (71) من البروتوكول التي ألزمت الأطراف المتحاربة باحترام وتسهيل مهمة أعمال الغوث ونقل وتوزيع إرساليات الغوث ، وضرورة احترام وتجنب استهداف العاملين الذي يؤدون واجباتهم في هذا الشأن .

10- انتهاك صريح لنص ومضمون المادة (79) من البروتوكول التي أكدت على وجوب حماية الصحفيين الذين يباشرون مهمات مهنية خطره في المنازعات المسلحة باعتبارهم أشخاصا مدنيين .

لعل مجمل تلك الانتهاكات الجسيمة التي أعدت لها وارتكبتها قوات الاحتلال الصهيوني خلال فصول حصارها و عدوانها على قطاع غزة ، دون أن تقيم وزنا ً أو اعتبارا ً للأعراف والمواثيق والاتفاقيات الدولية ، قد شكلت بمجملها وبما أحدثته من فظائع وجرائم شديدة الخطورة ، اللازمة القانونية لتحديد المسؤولية الدولية الناشئة عن ممارسات الاحتلال الصهيوني والمسؤولية الجنائية التي تقع على أفراده من القادة والجنود المتهمين بارتكاب الجرائم الدولية في قطاع غزة .

ثالثا ً: المسؤولية المدنية لحكومة الاحتلال :

ألزمت أحكام القانون الدولي الطرف الذي أضر بالغير واجب ومسؤولية العمل على إزالة ووقف آثار خرقه وانتهاكه لأحكام وقواعد القانون الدولي ، وبهذا الصدد فإن ما حاف قطاع غزة بساكنيه وممتلكاته الخاصة والعامة من أضرار مادية ومعنوية تتحمل حكومة الاحتلال الصهيوني المسؤولية القانونية عنها بسبب خرقها وانتهاكها للالتزامات المفروضة عليها كقوة احتلال وفقا لقواعد القانون الدولي ، ويترتب عليها بموجب مسؤوليتها المدنية قيامها بما يلي :

أ‌- وقف حكومة الاحتلال الصهيوني لممارساتها غير المشروعة وامتناعها عن مواصلة ارتكاب عدوانها المسلح غير المشروع على قطاع غزة .


ب‌- إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل العدوان والحصار .

ويقصد بالإعادة هنا الأوضاع التي يمكن استعادتها كالانسحاب من الأراضي والممتلكات الخاصة والعامة ، أما الأوضاع التي يستحيل استعادتها ، كالضحايا والجرحى وتدمير آلاف المنازل وإتلاف المساحات الشاسعة فإن المبدأ القانوني المستقر هو إلزام حكومة الاحتلال " بحكم مسؤوليتها المدنية" بدفع التعويضات العادلة والمنصفة عن الأضرار المادية والمعنوية التي نجمت عن عدوانها ، ويجب أن تراعي هذه التعويضات المالية كافة الأضرار سواء ما كان منها مباشرا ً، أي ظاهراً وواضح ومحدود ، أو ما كان منها غير مباشر،أي ما تظهر آثاره وواضحاً ، كما هو الحال مع الأضرار التي قد تلحق بالبيئة والتناسل والصحة جراء الأسلحة المحظورة كالفوسفور الأبيض، ومن المثير للملاحظة أن تجاهل المطالبة بالتعويض أو ضعف التركيز عليها ، من شأنه كما كشفت سوابق الاعتداءات الصهيونية في السياق التاريخي ، أن تريح الاحتلال وتعفيه من تحمل آثار وتبعات عدوانه ، وهو ما يستدعي تكثيف الضغوط الفلسطينية والعربية والدولية من خلال اللجوء إلى محكمة العدل الدولية من أجل وضع الاحتلال أمام مسؤولياته الدولية ، ولأن من شأن ذلك ردعه مستقبلا ً عن إتيان مثل هذه الممارسات غير المشروعة ، ونُذكِر هنا بالعديد من السوابق الدولية التي ألزمت الجهات المعتدية على دفع التعويضات المالية ، ومنها اتفاقية لوكسمبورغ سنة 1952التي ألزمت حكومة ألمانيا الاتحادية بدفع حوالي 3مليارات مارك ألماني ، كتعويضات لليهود الناجين من الهولو كست لصالح " دولة إسرائيل" التي ورثت حقوق الضحايا اليهود، ومما يغذي السير في هذا الاتجاه ومطالبة دول الاتحاد الأوربي في شباط من العام 2002 من " إسرائيل " بدفع تعويضات عن الدمار الذي ألحقته آلتها العسكرية بالبنى التحتية الفلسطينية التي تم تمويلها بأموال أوروبية ، وهو ما يجب التركيز عليه مجددا بعد أن أدى العدوان الصهيوني الأخير على غزة إلى ذات النتيجة .


رابعا: المسؤولية الجنائية الفردية عن جرائم الاحتلال وكيفيات إثارتها أمام المحاكم الوطنية والدولية
لا غلوّ أن تصنيف الكثير من الممارسات الإسرائيلية خلال العدوان على غزة في عداد جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية ،من الحقائق التي انجلت واستدعت إثارة حق الدول الأطراف في اتفاقية جنيف الرابعة والمجتمع الدولي في الملاحقة والمساءلة الجنائية للأفراد الذين أمروا أو خططوا لارتكاب تلك الجرائم ، ونجد السند القانوني الذي يجيز إثارة هذا النوع من المساءلة القانونية فيما يلي:

فيما أكدت عليه المادة ( 146) المشتركة من اتفاقيات جنيف الأربع والمادة (88) من أحكام برتوكول جنيف الأول ، على حق الأطراف التي تضررت من اقتراف الغير لجرائم دولية بحقها ، في ملاحقة الآمرين بارتكاب هذه الجرائم ومساءلتهم كمجرمي حرب أمام محاكمها الوطنية ، وهو ما ضمنته أيضا المادة السادسة من ميثاق محكمة نورمبرغ ، وبموجب المواد (5-6-7-8) من الباب الثالث من القانون الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية النافذ منذ يونيو 2002 ، وهي المواد التي تختص بتصنيف الجرائم الدولية التي تستوجب المساءلة الجنائية الفردية، والتي تنطبق على ما أقدمت عليه قوات الاحتلال في قطاع غزة من ممارسات غير مشروعة ، والتكييف القانوني لها على أنها جرائم دولية بامتياز ، وهو ما يتبدى جليا بموجب ميثاق روما الذي يشكل النص الدولي الأحدث في تصنيف تلك الجرائم إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية ، وينصرف الرأي القانوني الغالب إلى أن قوات الاحتلال لم تستثن في أفعالها أي من هذه الجرائم بما فيها جريمة العدوان التي أرجأت المحكمة الجنائية الدولية النظر فيها إلى مرحلة لاحقه ، ومن نافلة القول أن هذه الجرائم التي كان نصف ضحاياها من النساء والأطفال وفقا لتقارير دولية موثوقة - الصليب الأحمر- وكالة الأونروا - human rights watch - قد شكلت صدمة مروعة للمجتمع الإنساني الذي شهد واحدة من أكبر عمليات الفتك المنظم ضد قطاع غزة بأكمله ، وبتجريب أسلحة محرمة دوليا ً لم تستخدم من ذي قبل ضد المدنيين الفلسطينيين ، وأمام هذا المشهد الملتهب بالدماء والآلام خرجت الملايين المنددة بالعدوان الصهيوني على غزة ، تطالب بشدة وحزم بمعاقبة المسؤولين من قادة الاحتلال، وتحث المجتمع الدولي على تفعيل آلياته القضائية للنيل من أولئك المجرمين ، وهو ما أثار نقاشا ً وجدالا ً قانونيا ً واسعا حول المرجعيات الدولية المختصة بتفعيل نظام المسؤولية الجنائية الفردية ، لإنزال القصاص العادل بقادة وضباط وأفراد الاحتلال المتورطين بارتكاب الانتهاكات الجسيمة لأعراف ومواثيق واتفاقيات القانون الدولي الإنساني وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولاتها .

وفي حمأة هذا الجدل القانوني حول تحديد الوسائل والآليات القضائية التي يمكن من خلالها النظر بالدعاوى المرفوعة ، تبدى أن ثمة خلطاً كبيراً بين التفكير الافتراضي ، وبين الإمكانيات الواقعية لبلوغ المحاكمات العادلة ، ذلك أن اعتقاد الكثيرين بأن توفر العديد من السوابق الدولية التي استطاعت إدانة ومحاكمة أشخاص متورطين بارتكاب جرائم دولية ، هي المقياس والنموذج للسير في ذات الاتجاه ، سواء من خلال محاكم دولية خاصة مؤقتة أو دائمة ، ولتسليط الضوء على هذه المسائل القانونية بهدف استيضاح الإمكانيات الواقعية المتاحة أمام المطالب المشروعة بمعاقبة المتورطين الاسرائيلين عن الجرائم التي قاموا باقترافها في قطاع غزة ، لابد من تناول الآليات القضائية في النظم الدولية والوطنية وشرح مثالب ومحاسن كل منها على هذا الصعيد .


1- إثارة المسؤولية الجنائية الفردية بموجب الآليات القضائية الدولية :

يوجد ثلاث آليات قضائية دولية يسمح اختصاصها بإثارة المساءلة الجنائية الفردية بحق المتهمين بارتكاب الجرائم الدولية ، ولكل منها شروطه ومعاييره التي تختلف عن الآخر .


أ‌- المحاكم الدولية الخاصة :
وهي التي تنشأ بقرار يصدر عن مجلس الأمن يحدد تشكيلها واختصاصها وصلاحيتها , وتتألف عادة من قضاة دوليين وقضاة محليين من الدول التي وقعت على أراضيها إحدى الجرائم الدولية ، ومن الأمثلة عليها المحكمة الجنائية الدولية الخاصة في سيراليون والمحكمة الخاصة في لبنان ، وطالما أن مجلس الأمن هو مرجعية هذا النوع من المحاكم بإمكاننا أن ندرك حجم الصعوبة التي ينطوي عليها مطالبة مجلس الأمن بقرار ينشئ بموجبه محكمة دولية خاصة لمحاكمة المتهمين الإسرائيليين بارتكاب جرائم دولية في قطاع غزة ، ذلك أن الفيتو الأمريكي سيكون كما هو متعارف عليه في مختلف محطات القضية الفلسطينية بشكل خاص ، هو العقبة الكأداء أمام إنشاء هذه المحكمة ، وهو ما لا يمكن تجاهله .

ب‌- المحاكم الدولية المؤقتة :
وهي المحاكم التي تنشأ أيضا بموجب قرار من مجلس الأمن وتتشابه مع المحاكم الخاصة من حيث اختصاصها وصلاحيتها ، وتختلف معها بأن تشكيلها يتألف من قضاة دوليين حصرا ً ، ومن الأمثلة عليها المحكمة الدولية في يوغسلافيا والمحكمة الدولية في راو نده ، وهي غالبا ما تتجه إلى دول وقعت فيها جرائم دولية ولكن نظامها التشريعي والقضائي غير مستقر أو غير قادر على القيام بمسؤولياته على هذا الصعيد ومما لا شك فيه أن طرق باب هذا النوع من المحاكم الدولية من قبل الجهات الفلسطينية والعربية سوف يثير المشكلة نفسها لوجود ذات السبب ، وهو أن مجلس الأمن هو العقبة التي يصعب تجاهلها أيضاً.

ج- محكمة العدل الدولية ICj --
وهي جهاز قضائي يتبع للجمعية العامة للأمم المتحدة ،وبموجب المادة (34) من النظام الأساسي للمحكمة ، لايجوز إلا للدول أن تكون أطرافاً في النزاعات المعروضة على المحكمة ،ولذلك لايمكن للمحكمة النظر في منازعات ترد إليها من كيانات خاصة ( منظمات دولية أو أفراد ) وبما أن السلطة الوطنية الفلسطينية لم تكتسب الشخصية القانونية الكاملة ، فأن هذا يجعل طريق الذهاب إلى هذه المحكمة غير سالك ،وذلك بسبب الاختصاص والمقبولية في النظام الأساسي للمحكمة الذي لايسمح بإثارة آليات الملاحقة الجنائية الفردية،ولكن ثمة طريق آخر يمكن المضي فيه من خلال التوجه للجمعية العامة للأمم المتحدة من أجل اتخاذ قرار يحيل موضوع التعويضات المدنية الناجمة عن العدوان الصهيوني على قطاع غزة للنظر والبت فيه من قبل المحكمة ، ويبقى لمثل هذه الإحالة أهميتها الكبيرة ، لان ما تتمتع به محكمة العدل الدولية من آراء وفتاوى استشارية ،ترقى بها إلى درجة الإلزام بحكم أثرها القانوني ، وهو ما يذكرنا بالقرار الاستشاري الصادر عن المحكمة حول عدم مشروعية جدار الفصل العنصري في الأراضي المحتلة في 9 تموز 2004 ، وما انطوى عليه القرار من قيمة قانونية بالغة ، وهي من السوابق التي ينبغي البناء عليها فيما يتعلق بدور المحكمة في تعرية وفضح الكيان الصهيوني ،ونقترح في هذا المقام العمل من خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة على إحالة مسألة عدم مشروعية (دولة إسرائيل ) على محكمة العدل الدولية ،بسبب إمعان انتهاكها للمادة السادسة من ميثاق الأمم المتحدة .

د- المحكمة الجنائية الدولية الدائمة -ICC-
وهي المحكمة الدولية الدائمة التي خرج نظامها الأساسي حيز النور في روما عام 1998 وأصبح نظامها نافذا ً منذ يونيو 2002 باكتمال التصديق
الستين عليه ، ولقد انصبت أكثر المواقف والآراء القانونية على أن هذه المحكمة هي الأكثر ملائمة للتوجه إليها لتفعيل المساءلة الجنائية الفردية بحق المتهمين الإسرائيليين لاسيما أن المادة 13/ فقرة ج/ من نظامها الأساسي تحدد ثلاثة خيارات لولوج باب المحكمة ، أولها : عن طريق دول طرف في نظامها الأساسي سواء وقعت الجريمة على إقليمها أو نسبة إلى انتماء الضحايا إليها .

• عن طريق مجلس الأمن الذي يحق له طلب تحريك الادعاء العام بمواجهة دولة غير طرف في نظامها الأساسي.

• عن طريق المدعي العام للمحكمة الذي يستطيع من تلقاء نفسه تحريك الادعاء العام بحق أي دولة غير طرف في المحكمة .

وإذا تأملنا في هذه الخيارات الثلاث والتي يمكن من خلالها الإجابة عن سؤال الإمكانية المتاحة لرفع الدعاوى المتعلقة بالمتهمين الإسرائيليين أمام هذه المحكمة ، سنجد بأن الخيار الأول يشترط لقبول تحريك الدعوى أن يتم رفعها من قبل دولة طرف، وهو ما لا يتوفر في الوضعية الفلسطينية ، لسببين الأول :أن السلطة الفلسطينية لا تكسب الشخصية القانونية الدولية الكاملة .

2 - أنها ليست طرفا في نظام المحكمة .

أما بالنسبة للخيار الثاني : حتى ولو فرضنا بإمكانية قبول الادعاء من قبل السلطة الفلسطينية ، فإن مجلس الأمن وتحت سيف إشهار الفيتو الأمريكي لن يقبل طلب السلطة الفلسطينية .

أما الخيار الثالث ، وهو ما فسره الكثيرون على أنه يفتح إمكانية قبول الدعوى بما يمتلكه المدعي العام بموجب نظام المحكمة من حق تحريك الادعاء العام تلقائياً فهو تفسير قاصر، لأن العودة إلى المادة (12) من النظام الأساسي تشترط لذلك موافقة وترخيص مجلس الأمن ، ذلك أن يد المدعي العام للمحكمة ليست طليقة في هذا الشأن ، وهو ما يعيدنا إلى دائرة مجلس الأمن أي إلى ذات النتيجة السابقة .
وهكذا يبدو لنا أن دور مجلس الأمن في توجهات المحكمة الجنائية الدولية يضعف الآمال إلى أدنى الحدود باللجوء إلى هذه المحكمة على الأقل في الوقت الراهن والى أمد ليس قصير ، ولكن المحاولات على جبهة المحكمة الجنائية الدولية يجب أن لا تستكين ، لأنها تبقى أداة ضغط على مجلس الأمن لكشف معاييره الازدواجية ، ومناحي عجزه إلى أن يتم تعديل هذه الصيغة التي تنتقص من دور المحكمة الجنائية الدولية وجدواها .

2- إثارة المساءلة الجنائية الفردية بموجب الآليات القضائية الوطنية كقاعدة مستقرة تقوم الأنظمة الوطنية على اختصاص شخصي واختصاص إقليمي واختصاص موضوعي واختصاص عالمي ، وبموجب الاختصاص العالمي يحق للدول التي تتبنى العمل بمقتضياته أن تثير المساءلة الجنائية الفردية بحق المتهمين باقتراف الجرائم الدولية ولو ارتكبت تلك الجرائم خارج أراضيها ، وكان الضحايا من غير رعاياها ، وتشكل المادة (146) المشتركة في اتفاقيات جنيف السند القانوني – كما ذكرنا لاحقا َ- لقيام العديد من الدول بتبني الاختصاص العالمي كما في اسبانيا وبلجيكا وبريطانيا وغيرها من الدول التي قامت في مراحل معينة بتفعيل هذا الاختصاص العالمي " ملاحقة وزير خارجية الكونغو وملاحقة شارون من قبل القضاء البلجيكي وملاحقة بينوشيه من قبل محاكم اسبانية "

وفي حين يرى البعض أن القرار الذي صدر عن محكمة العدل الدولية يشكل ضربة قوية لجهود القضاء الوطني في الحد من الجرائم الدولية ، بمناسبة شكوى حكومة الكونغو من ملاحقة وزير خارجيتها من قبل القضاء البلجيكي، على أن هذه الدعوى غير مقبولة لأنها تتعارض مع مبدأ الحصانة وضرورات حماية الأشخاص الذين يتمتعون بها .

وعليه فإن قرار محكمة العدل الدولية كما يرى البعض الآخر، وإن كان يقيد ملاحقة ومعاقبة الأشخاص المشمولين بالحصانة غير أنه لا يمنع اللجوء للقضاء الوطني بمجرد سقوط الحصانة ،عن الشخص الذي تثار بحقه المساءلة الجنائية، فعلى سبيل المثال يمكن ملاحقة أولمرت عن الجرائم التي تسبب بها بعد استقالته من رئاسة الحكومة الإسرائيلية، وهذا ما ينطبق على غيره ،مما يشكل رادعا ً لمن هم في الحكم كي يفكروا مليا ً بعواقب أعمالهم ، كما ينظر مؤيدو الاتجاه إلى المحاكم الوطنية بأن أهمية الأحكام الصادرة عن هذه المحاكم ، أنها تبقى سيفا مهددا ً على مرتكبي الجرائم الدولية ،لأنه بموجب التعاون القضاء الدولي ،واتفاقية الانتربول الدولي ، لن تبقى هذه الأحكام محصورة بمفعولها في نطاق الدولة التي أصدرتها ، وإنما سيجد المجرم المدان أنه ملاحق قضائيا من دول عده ،وهو ما سيحد من نزوع الآخرين لاقتراف الجرائم المعاقب عليها في القوانين الدولية والوطنية ، كما تفيد الإشارة أن المحاكم الوطنية لا تقتصر في أحكامها على فئة من الأشخاص المدانين وإنما تستطيع النظر استنادا إلى مبدأ الاشتراك في الجريمة الدولية كما نصت عليه المادة السادسة من نظام محكمة نورمبرغ إلى كل من ساهم في ارتكاب الجرائم الدولية ، ولهذا تشكل الدعوى التي رُفعت إلى القضاء البريطاني ضد أحد الشركات البريطانية المصنعة للجرافات الثقيلة ، التي تم استخدامها من قبل القوات الإسرائيلية لقتل المدنيين الأبرياء كالتي تسببت بمقتل الناشطة الأمريكية راشيل كوري .

من الأمثلة النوعية التي تؤكد أهمية هذه الأحكام وضرورة توسيع نطاقها لردع ولجم كل من يساهم أو يساعد الاحتلال في اقتراف جرائمه .

وبناء على الإمكانيات التي يتبعها القضاء الوطني لقبول الدعاوى القضائية ومميزاته المذكورة في تفعيل المساءلة الجنائية الفردية ، نرى بضرورة التجاء وكلاء الضحايا الفلسطينيين وكل من تتوفر لديه الصفة والمصلحة إلى أنظمة القضاء الوطني ، لتحريك الدعاوى ضد المتورطين الإسرائيليين بارتكاب انتهاكات جسيمة في قطاع غزة ، وهو ما يستوجب بدوره إعداد الملفات القضائية المدعمة بالشهود والشهادات والتوكيلات القانونية الموثقة،لأن العدد الوافي والسليم لهذه الملفات وصحة التمثيل فيها من الشروط الأساسية لإمكان قبولها شكلا ً حتى يتاح النظر فيها قبل بسط موضوع الدعوى أمام المحاكم الوطنية المختصة .


أخيرا : إن بلوغ متطلبات المحاكمات العادلة للاقتصاص من القتلة والمجرمين الإسرائيليين وكل من ساهم وشارك في جرائمهم الدامغة بحق الأطفال والنساء والمدنيين ، تضع على عاتق كل المدافعين عن صون كرامة الإنسان من خلال الدفاع عن كل ما يمس حقوقه و حرياته ، أن يسلكوا الطريق السديدة بمنهجية عمل منظمة وموضوعية و مثابرة ، وأول الخطى على هذا الدرب الطويل هو اصطفاء الخيار الأجدى لبلوغ النتيجة التي تفرض على الجاني قصاصا يعادل ما جنته يداه .